عادل عبد الرحمن البدري
62
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
ويستشف القارئ من إشارة عليّ ( ع ) إلى أنّ مصر كانت ذات موضع ستراتيجي جرت عليها عواصف من الفتن ، واتجهت نحوها موجات بشرية مهاجرة طمعاً فيها وفي خيراتها . ويتحدّث الدكتور شكري فيصل عن تاريخ مصر فيقول : كانت مصر قبل الفتح الإسلامي ولاية من ولايات الدولة البيزنطية ، ولكنّها ولاية ممتازة ، وكان غناها وموقعها في قلب القارات الثلاث ، وتلاقي الطرق التجارية العالمية في أرضها ، ووجودها في مقدّمة الولايات البيزنطية الأخرى في شمال أفريقية ، كلّ ذلك اضطرّها أن تكون مثابةً لكثير من الروم يلجأون إليها ، ولهذا لم يكن كلّ من في مصر آنذاك من المصريين أنفسهم ، وأنّما كانت هناك كثرة كثيرة من البيزنطيين الذين استقرّ بهم المقام في السواحل أو الأرياف . غير أنّ عاملًا خطيراً في الحياة لم يكن ليسهّل هذا الاندماج ، وهو العقيدة الدينية ، كان يجعل بين المصريين وبين الروم حاجزاً مكيناً يحول بينهم وبين أن ينصهروا في كتلة واحدة « 1 » . ولهذا كان الأقباط وهم سكّان مصر القدامى يشعرون بانفصال روحي واجتماعي عن هذه الكيانات الزاحفة على أرض مصر ، فأدرك النبي ( ص ) ما يعانوه من مرارة وويل فقال ( ص ) لأصحابه : إنّكم ستفتحون مصر ، فإنّكم إذا فتحتموها فاستوصوا بالقبط خيراً فإنّ لهم رحماً وذمّة « 2 » وفي خبر آخر : إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم ، فإنّ لهم ذمّة ، وإنّ لهم رحماً « 3 » . فامتثلها الصحابة حين دخلوا أرض مصر فاتحين ، وكان علي ( ع ) واعياً لوصيّة النبيّ ( ص ) في عماد الشعب المصري ، وهم القبط ، فقال فيهم وفي غيرهم في كتابه للأشتر « وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم » . فالرعية التي عاشت على أرض مصر هي جماع سكاني حضاري حيث كان بلدهم قبلة الدنيا فيما غبر من الزمان فتطلعت لها ولمصر عيون الخلق « ولم يغب عن بال
--> ( 1 ) حركة الفتح الإسلامي في القرن الأوّل ص 134 . ( 2 ) مناقب ابن شهرآشوب 109 : 1 . قال ابن هشام عن هذه المقولة ، أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب ، قرية كانت أمام الفرما من مصر . وأمّ إبراهيم مارية سُرّية النبي ( ص ) التي أهداها له المقوقس من حفن من كورة أنصنا . السيرة النبوية 7 : 1 . ( 3 ) ( ) مصنّف عبد الرزاق 58 : 6 .